أسماء الطلبة المشاركين
- نسمة محمد أبو حمرة
- حنين هشام خالد البلبيسي
- ديمة معمر جميل اليازجي
- حازم حاتم حلمي حرز
- محمد معمر جميل اليازجي
- شادي اياد جهاد ابو هربيد
- محمد ماجد محمد الجدي
- أية رفيق حسن ابو عرقوب
- ايمان فريد ادريس ابو زيادة
- سعاد أحمد الشوبكي
نظم المعلومات الإدارية
يشهد العالم المعاصر تصاعدًا ملحوظًا في حدة الأزمات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة، والتي باتت تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه استقرار الاقتصادات الوطنية، ولا سيما في الدول والمناطق التي تعاني من هشاشة سياسية وأمنية. وقد انعكست هذه الأزمات بصورة مباشرة على أداء القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاع المصرفي، الذي يُعدّ العمود الفقري للنظام المالي والاقتصادي، والمحرك الأساسي للأنشطة التجارية والاستثمارية، وأحد أهم ركائز الاستقرار النقدي والاجتماعي (World Bank, 2023).
وتُعدّ الحرب الأخيرة على قطاع غزة من أكثر الأزمات تعقيدًا وتأثيرًا، لما خلفته من تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تمثلت في تدمير واسع للبنية التحتية، وانقطاع متكرر للتيار الكهربائي، وتعطّل شبكات الاتصالات والإنترنت، وتقييد حركة الأفراد والبضائع، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على كفاءة أداء المؤسسات الاقتصادية، وعلى رأسها المؤسسات المصرفية (UNDP, 2024). وقد أدى ذلك إلى إرباك الأنظمة التشغيلية للبنوك، وفرض ضغوطًا كبيرة على قدرتها في الاستمرار بتقديم الخدمات المالية الأساسية للعملاء في ظل ظروف استثنائية بالغة التعقيد (IMF, 2023).
ويكتسب القطاع المصرفي في قطاع غزة أهمية استراتيجية خاصة، نظرًا لدوره الحيوي في إدارة السيولة النقدية، وتنفيذ عمليات الدفع والتحويل، وتسهيل النشاط التجاري، ودعم الاستقرار المالي للأفراد والمؤسسات. كما يسهم هذا القطاع في توفير قنوات التمويل اللازمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي تُعدّ أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي في البيئات المتأزمة. غير أن تصاعد العمليات العسكرية وما صاحبها من تدمير للبنية التحتية المادية والرقمية شكّل تحديًا جوهريًا أمام استمرارية العمل المصرفي، وأثار تساؤلات عميقة حول جاهزية البنوك لمواجهة الأزمات الممتدة وضمان الحد الأدنى من استمرارية خدماتها (سلطة النقد الفلسطينية، 2024؛ الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2024).
وفي ظل هذه التحديات، برز مفهوم الصمود الرقمي (Digital Resilience) كأحد المفاهيم الإدارية والتكنولوجية الحديثة التي تركز على قدرة المؤسسات على التكيف مع التحولات الرقمية، والاستجابة السريعة للصدمات التقنية والتشغيلية، وضمان استمرارية الأعمال في البيئات غير المستقرة. ويُقصد بالصمود الرقمي امتلاك المؤسسات لبنية تحتية تكنولوجية مرنة وآمنة، مدعومة بأنظمة معلومات متطورة، واستراتيجيات استجابة رقمية فعّالة، تمكّنها من امتصاص الصدمات، والتعافي السريع من الأعطال، وتقليل الخسائر التشغيلية إلى أدنى حد ممكن. (Kane et al., 2022)
وقد أثبتت التجارب الدولية الحديثة، لا سيما خلال الأزمات الصحية والاقتصادية والحروب، أن الاستثمار في الحلول الرقمية المتقدمة، مثل الخدمات المصرفية الإلكترونية، وأنظمة الدفع الرقمي، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، يُسهم بشكل كبير في تعزيز قدرة المؤسسات المصرفية على الاستمرار في تقديم خدماتها حتى في ظل القيود الأمنية واللوجستية (OECD, 2023). وفي السياق الفلسطيني، كشفت الحرب الأخيرة على غزة عن أهمية الاعتماد على القنوات الرقمية كبدائل تشغيلية أساسية، ساهمت – ولو جزئيًا – في ضمان استمرارية المعاملات المالية والتخفيف من آثار تعطل الفروع المصرفية التقليدية (وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية، 2024).
ومع ذلك، فقد أظهرت هذه الأزمة وجود فجوات هيكلية وتحديات عميقة في جاهزية البنية التحتية الرقمية للقطاع المصرفي في قطاع غزة، من حيث محدودية الموارد التقنية، وضعف شبكات الاتصال، وتزايد المخاطر السيبرانية، فضلًا عن القيود التنظيمية والتشغيلية المفروضة بفعل الحصار والظروف الأمنية، الأمر الذي يستدعي دراسة علمية معمقة لتحليل واقع الصمود الرقمي في البنوك العاملة في القطاع، واستكشاف مدى قدرته على دعم استمرارية العمل المصرفي في ظل الأزمات الممتدة (World Bank, 2024).
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا البحث إلى دراسة استمرارية العمل المصرفي في قطاع غزة في ظل الحرب الأخيرة ودور الصمود الرقمي في دعمها، من خلال تحليل الأطر النظرية المرتبطة بالمفهومين، واستعراض واقع الأداء المصرفي أثناء الحرب، وتشخيص أبرز التحديات التقنية والتنظيمية، وصولًا إلى تقديم مجموعة من التوصيات العملية التي من شأنها تعزيز جاهزية القطاع المصرفي، ورفع مستوى مرونته الرقمية، وتحسين قدرته على الصمود في مواجهة الأزمات المستقبلية، بما يحقق الاستدامة التشغيلية والاستقرار المالي.
في ظل الأزمات الممتدة التي يشهدها قطاع غزة في الحرب الأخيرة، تواجه المؤسسات في القطاع تحديات متعددة الأبعاد ومعقدة تهدد استمرارية عملها وقدرتها على تحقيق أهدافها، والتي تتعلق بالبنية التحتية الرقمية المتضررة ونقص الموارد المالية والبشرية والقيود المفروضة على الحركة والاتصال، أضف إلى ذلك الأزمات المتكررة التي تعطل العمليات المؤسسية بشكل مستمر. وعلى الرغم من أهمية نظم المعلومات الإدارية كأداة محورية للتحول الرقمي ودعم الصمود المؤسسي، إلا أن واقع تطبيق هذه النظم في المؤسسات الفلسطينية ولا سيما في البيئات المتأزمة ما يزال يعاني من فجوات تنظيمية وتقنية وتشغيلية تحد من فاعليتها وكفاءتها. ومن هنا تتمحور مشكلة البحث في غياب تصور واضح ومتكامل حول مدى إسهام نظم المعلومات الإدارية في تعزيز التحول الرقمي وبناء الصمود المؤسسي للمؤسسات الفلسطينية في قطاع غزة خلال الأزمات ومراحل التعافي، لذا من الضرورة فهم كيفية توظيف نظم المعلومات الإدارية لتحقيق التحول الرقمي وبناء الصمود المؤسسي.
تتمحور مشكلة البحث حول السؤال الرئيسي التالي:
كيف يمكن لنظم المعلومات الإدارية أن تساهم في تعزيز التحول الرقمي وبناء الصمود المؤسسي في قطاع غزة في ظل الأزمات المتكررة؟
وينبثق عن التساؤل الرئيسي الأسئلة الفرعية التالية:
يسعى هذا البحث إلى تحقيق الأهداف التالية:
يسهم البحث في إثراء الأدبيات العربية من خلال تقديم إطار نظري يربط بين نظم المعلومات الإدارية والتحول الرقمي والصمود المؤسسي في سياق الأزمات مع توثيق التجربة الفلسطينية في قطاع غزة بما يسد الفجوة البحثية القائمة في هذا المجال.
تتجلى الأهمية العملية في كونه يقدم إطارًا تحليليًا ويوفر دلالات تطبيقية لصناع القرار في المؤسسات الفلسطينية من خلال إبراز دور نظم المعلومات الإدارية في تحسين الأداء وضمان الاستمرارية خلال الأزمات وتقديم توصيات واقعية تساعد المؤسسات والجهات الداعمة على تعزيز التحول الرقمي وبناء الصمود المؤسسي في قطاع غزة.
يعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي الذي يهدف إلى وصف الظاهرة المدروسة وتحليل أبعادها المختلفة بشكل علمي منظم، ويعد هذا المنهج الأنسب لطبيعة هذا البحث حيث يسعى إلى تحليل دور نظم المعلومات الإدارية في التحول الرقمي وبناء الصمود المؤسس في قطاع غزة من خلال مراجعة الأدبيات النظرية والدراسات السابقة وتحليل الواقع العملي.
تُعرف نظم المعلومات الإدارية (Management Information Systems - MIS) بأنها مجموعة منظمة من العناصر المترابطة التي تعمل على جمع البيانات ومعالجتها وتخزينها وتوزيعها لدعم عمليات صنع القرار والتنسيق والرقابة في المؤسسات (Laudon & Laudon, 2022, p. 47). وتمثل هذه النظم حلقة الوصل بين التكنولوجيا الرقمية والعمليات الإدارية حيث تحول البيانات الخام إلى معلومات ذات قيمة تدعم تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
في السياق الفلسطيني، يشير أحد الباحثين إلى أن نظم المعلومات الإدارية تمثل البنية الأساسية التي تمكن المؤسسات من تحسين كفاءتها التشغيلية وفاعليتها الإدارية، خاصة في ظل محدودية الموارد والتحديات المتزايدة. وتكتسب هذه النظم أهمية خاصة في قطاع غزة نظراً للحاجة الماسة لتحسين استخدام الموارد المتاحة وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة السريعة للمتغيرات. (النجار, 2023, ص78)
تتألف نظم المعلومات الإدارية من خمسة مكونات رئيسية متكاملة تعمل معاً لتحقيق أهداف النظام وهي:
ويشير أحد الباحثين وآخرون إلى دراسة قد قاموا بإجرائها على المؤسسات الحكومية في قطاع غزة، تبين أن نجاح نظم المعلومات الإدارية يعتمد بشكل كبير على التكامل الفعال بين هذه المكونات، وأن ضعف أي مكون يؤثر سلباً على أداء النظام بأكمله. (أبو شمالة، الفرا، والحلو، 2024 ص 52)
تتنوع نظم المعلومات الإدارية وفقاً للمستويات التنظيمية والوظائف التي تخدمها:
وقد أشار (الشاعر وأبو عمرة، 2024 ص167) إلى أن المؤسسات في قطاع غزة تستخدم مزيجاً من هذه الأنواع بحسب احتياجاتها وقدراتها المالية والتقنية مع تفضيل متزايد للحلول السحابية التي تقلل من الحاجة إلى بنية تحتية مكلفة وتوفر مرونة أكبر في الوصول إلى المعلومات.
تؤدي نظم المعلومات الإدارية دورًا استراتيجيًا عندما لا تقتصر وظيفتها على إنتاج تقارير تشغيلية، بل تُستخدم لدعم أهداف المؤسسة طويلة المدى وتحسين قدرتها على المنافسة. وتؤكد الأدبيات أن امتلاك التقنية وحده لا يضمن قيمة استراتيجية، وإنما تتحدد القيمة وفق كيفية توظيف نظم المعلومات داخل المنظمة وربطها بأهداف واضحة وعمليات فعّالة وتكامل بين عناصر النظام (الأفراد، البيانات، البرمجيات، والإجراءات) (Bourgeois, 2019).
ومن منظور الميزة التنافسية تُعد نظم المعلومات أداة استراتيجية عندما تساعد المؤسسة على تنفيذ استراتيجيات مثل خفض التكلفة أو التميّز عبر تحسين العمليات الأساسية وتطوير أساليب العمل ورفع جودة الخدمات أو سرعة الاستجابة وبذلك يصبح النظام المعلوماتي جزءًا من أدوات الإدارة الاستراتيجية لأنه يدعم اختيارات المؤسسة في كيفية خلق قيمة أعلى مقارنة بالمنافسين. (eCampusOntario Pressbooks, n.d.)
كما تساهم نظم المعلومات الإدارية في تعزيز اتخاذ القرار الاستراتيجي من خلال توفير معلومات تساعد الإدارة على متابعة الأداء وتحديد الاتجاهات ورصد نقاط الضعف والفرص. فعندما يتم تحليل البيانات وتحويلها إلى مؤشرات قابلة للاستخدام الإداري يصبح القرار أكثر استنادًا إلى معلومات دقيقة، مما ينعكس على كفاءة تخصيص الموارد وتحسين الأداء التنظيمي. (Bourgeois, 2019)
ويبرز الدور الاستراتيجي لنظم المعلومات بشكل أكبر عندما تُستخدم لتحسين العمليات المؤسسية (Business Processes)، إذ يرتبط تحقيق القيمة عادةً بقدرة المؤسسة على إعادة تنظيم إجراءاتها وتقليل التكرار والهدر وتحسين التنسيق بين وحداتها المختلفة. هذا التحسين في العمليات يؤدي إلى نتائج استراتيجية مثل رفع الإنتاجية وتقليل التكاليف وتعزيز موثوقية الخدمة، وهو ما يدعم موقع المؤسسة التنافسي. (Bourgeois, 2019; eCampusOntario Pressbooks, n.d.)
وبناءً على ذلك يمكن القول إن نظم المعلومات الإدارية تتحول إلى أداة استراتيجية عندما تُدار كاستثمار تنظيمي متكامل ينسجم مع الاستراتيجية العامة للمؤسسة، ويُستخدم لدعم القرار وتحسين العمليات وتحقيق ميزة تنافسية مستدامة، وليس كمجرد أداة تقنية منفصلة عن العمل الإداري. (eCampusOntario Pressbooks, n.d.)
يقصد بتكييف نظم المعلومات الإدارية مواءمة تصميم النظام وتشغيله مع واقع المؤسسة والبيئة المحيطة من حيث البنية التحتية المتاحة، والموارد، والمهارات البشرية، وإجراءات العمل، ودرجة المخاطر وعدم الاستقرار. وفي السياقات ذات القيود العالية، يرتفع احتمال تعثّر نظم المعلومات عندما يكون هناك “فجوة” بين تصميم النظام كما يُفترض أن يعمل، وبين الواقع الفعلي لكيفية تنفيذ الأعمال والقدرات المتاحة، لذلك يصبح التكييف مطلبًا أساسيًا لنجاح MIS واستدامتها (Heeks, 2002).
في قطاع غزة، تظهر الحاجة للتكييف بشكل أكبر بسبب تحديات تؤثر مباشرة في تشغيل الأنظمة وتبادل البيانات واستمرارية الخدمة، مثل هشاشة البنية التحتية للاتصالات وتضررها وتكرار الانقطاعات، وهو ما يجعل الاعتماد الكامل على حلول تتطلب اتصالًا دائمًا أو موارد تقنية عالية خيارًا عالي المخاطر (7amleh, 2024). ومن جهة أخرى، يرتبط تحسين جاهزية المؤسسات للتحول الرقمي بوجود إطار سياساتي وحوكمي واضح يدعم بناء الخدمات الرقمية وتطوير قدرات المؤسسات، وهو ما تعكسه توجهات الحكومة الرقمية الفلسطينية وخططها (Ministry of Telecommunications and Digital Economy, 2024)، كما أن تقييمات التنمية الرقمية تشير إلى تحديات بنيوية في البنية التحتية والبيئة التنظيمية والمهارات، ما يجعل الحلول “الملائمة للسياق” أكثر واقعية من الحلول المثالية المكلفة (World Bank, 2021).
وبناءً على ذلك، يمكن صياغة تكييف MIS في غزة عبر مجموعة محاور عملية:
وخلاصة القول: تكييف نظم المعلومات الإدارية في غزة لا يعني تقليل جودة النظام، بل يعني توجيهه ليكون قابلًا للتشغيل والاستمرار عبر حلول تدريجية ومرنة تقلل فجوة التصميم–الواقع وتنسجم مع واقع الاتصالات والموارد والحوكمة المحلية. (Heeks, 2002; 7amleh, 2024)
مفهوم التحول الرقمي (Digital Transformation) هو عملية استراتيجية شاملة تتجاوز مجرد أتمتة العمليات أو اعتماد تقنيات جديدة، بل يتطلب إعادة تصميم جذرية لنماذج الأعمال والعمليات المؤسسية والثقافة التنظيمية (Westerman et al., 2021, p. 23).
ويشمل التحول الرقمي ثلاثة أبعاد رئيسية:
في السياق الفلسطيني، أوضح باحثون بأن التحول الرقمي يكتسب أهمية مضاعفة في قطاع غزة نظراً لقدرته على تجاوز القيود المادية والجغرافية وتمكين المؤسسات من الوصول إلى أسواق جديدة وتحسين خدماتها رغم الظروف الصعبة، كما يوفر فرصاً للشباب الفلسطيني للمشاركة في الاقتصاد الرقمي العالمي (الشرفا ونصر، 2023 ص71).
يتطلب التحول الرقمي الناجح توفر عدة عناصر أساسية:
أكد باحثون أن المؤسسات الفلسطينية تواجه تحديات في توفير بعض هذه المتطلبات، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية والموارد المالية، لكن يمكن التغلب عليها عبر حلول مبتكرة منخفضة التكلفة وشراكات استراتيجية (قدح، الطلاع، وزقوت 2022، ص 215).
يواجه التحول الرقمي في قطاع غزة مجموعة فريدة من التحديات:
الصمود المؤسسي يعني قدرة المنظمة على التكيف والبقاء والازدهار رغم الصدمات والضغوط. التحول الرقمي يعزز هذا الصمود من خلال:
تساهم نظم المعلومات الإدارية في بناء الصمود عبر توفير رؤية شاملة للمؤسسة، وتمكين اتخاذ القرارات المبنية على البيانات، وتسهيل التنسيق بين الوحدات المختلفة، وبناء ذاكرة تنظيمية تحفظ المعرفة والخبرات. في السياق الفلسطيني، تصبح هذه النظم أدوات حيوية للمقاومة الاقتصادية والاجتماعية.
يُعرف الصمود المؤسسي (Organizational Resilience) بأنه قدرة المؤسسة على توقع الاضطرابات المحتملة والاستعداد لها، والاستجابة لها بفاعلية، والتعافي منها بسرعة، بل والتعلم منها لتصبح أقوى وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية (Duchek et al., 2023, p. 89).
ويتكون الصمود المؤسسي من ثلاثة أبعاد متكاملة: الاستباقية في تحديد المخاطر والاستعداد لها، المرونة في الاستجابة والتكيف، والقدرة على التعلم من التجارب والأزمات السابقة. وقد طورت المؤسسات في قطاع غزة قدرات فريدة على الصمود نتيجة التعرض المتكرر للأزمات، تشمل المرونة والإبداع وإيجاد حلول بديلة والاستفادة من الموارد المحدودة بأقصى كفاءة (قدح وآخرون، 2022 ص 203).
يتطلب بناء الصمود المؤسسي توفر عدة مقومات أساسية:
ويشير باحثون إلى أن المؤسسات الفلسطينية الأكثر صموداً هي التي استثمرت في بناء هذه المقومات بشكل منهجي وطورت ثقافة تنظيمية تقدر الصمود والقدرة على التكيف كقيم أساسية (النجار وآخرون، 2023 ص 145).
تلعب نظم المعلومات الإدارية دوراً محورياً في تعزيز الصمود المؤسسي من خلال عدة آليات:
وفي السياق الفلسطيني، وثق (الشرفا ونصر، 2023) حالات نجحت فيها المؤسسات في الاستفادة من نظم المعلومات الإدارية للصمود خلال الأزمات، بما في ذلك استخدام المنصات السحابية لضمان استمرارية العمل عن بعد، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية لتنسيق جهود الإغاثة.
يعاني قطاع غزة من تحديات جوهرية في البنية التحتية التكنولوجية نتيجة الحصار المطول والأزمات المتكررة. رغم ذلك، أظهرت المؤسسات الفلسطينية قدرة ملحوظة على التكيف والابتكار. فقد أشار أحد الباحثين إلى أن نسبة كبيرة من المؤسسات اعتمدت على الحلول السحابية كبديل فعال للخوادم المحلية المكلفة، مما مكنها من تقليل التكاليف الرأسمالية وتجاوز القيود على استيراد المعدات (أبو شمالة وآخرون، 2024ص67).
كما تبين من دراسة (الشاعر وأبو عمرة، 2024ص 172) أن معدل انتشار الإنترنت في قطاع غزة ارتفع خلال السنوات الأخيرة وتجاوز 70%، مما وفر قاعدة مناسبة لتطبيق نظم المعلومات القائمة على الإنترنت، مع استمرار تحديات جودة واستقرار الاتصال خاصة خلال الأزمات.
ويمثل انقطاع الكهرباء أحد أبرز التحديات، وقد طورت بعض المؤسسات حلولاً مبتكرة مثل الاعتماد على مولدات احتياطية والطاقة الشمسية واعتماد تطبيقات موبايل خفيفة تعمل بكفاءة حتى مع ضعف الاتصال (الشرفا ونصر، 2023، ص 79).
شهدت القطاعات المختلفة تطبيقات متنوعة لنظم المعلومات الإدارية. ففي القطاع الصحي تم تطوير نظم لإدارة السجلات الطبية الإلكترونية ونظم تنسيق خدمات الطوارئ، مما ساهم في تحسين جودة الرعاية وتسريع الاستجابة (Almasri et al., 2023, p. 185).
وفي القطاع التعليمي لعبت نظم إدارة التعلم الإلكتروني دوراً حيوياً في ضمان استمرارية العملية التعليمية خلال الأزمات عبر التعليم عن بعد، والاختبارات الإلكترونية وتسهيل العمليات الإدارية (Alajrami et al., 2022, p. 125).
وفي القطاع المالي والمصرفي اعتمدت المؤسسات على نظم متقدمة لإدارة الحسابات والمعاملات مع تركيز خاص على أمن المعلومات، وفي القطاع الحكومي تم تطوير نظم الحكومة الإلكترونية (النجار وآخرون، 2023 ص 156).
رغم توفر قاعدة جيدة من الخريجين، تواجه المؤسسات تحديات في توفير التدريب المستمر والمتخصص للموظفين. كما أن الفجوة بين مهارات الجامعات واحتياجات سوق العمل تتطلب شراكات أقوى بين التعليم والقطاع الخاص (قدح وآخرون، 2022 ص228).
وتواجه بعض المؤسسات مقاومة للتغيير بسبب الخوف من فقدان الوظائف أو ضعف الثقة بالتكنولوجيا أو نقص التدريب؛ ويستلزم ذلك إدارة تغيير فعالة تشمل التواصل والتدريب والإشراك (الشاعر وأبو عمرة، 2024 ص197).
وعلى المستوى التنظيمي، يبرز غياب إطار تشريعي شامل للتحول الرقمي وحماية البيانات، ما يحد من الاستثمارات ويتطلب سياسات واضحة للأمن السيبراني والخصوصية والتوقيع الإلكتروني (أبو شمالة وآخرون، 2024 ص104).
تمثل نظم المعلومات الإدارية المحرك الرئيسي للتحول الرقمي في المؤسسات، حيث توفر البنية التحتية اللازمة لرقمنة العمليات وتحسين الكفاءة التشغيلية. ومن خلال أتمتة العمليات الروتينية، تحرر الموارد البشرية للتركيز على المهام الاستراتيجية (Westerman et al., 2021, p. 134).
أظهرت دراسة باحثين أن المؤسسات التي طبقت نظم معلومات إدارية شاملة حققت تحسناً بنسبة تصل إلى 40% في سرعة إنجاز المعاملات وتقليل الأخطاء (الشرفا ونصر، 2023، ص88).
كما تساهم نظم المعلومات الإدارية في تحسين تجربة المستفيدين عبر خدمات إلكترونية متاحة على مدار الساعة وتقليل الحاجة للزيارات الشخصية (النجار وآخرون، 2023، ص 167).
مع تطور نظم المعلومات، أصبحت المؤسسات قادرة على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات (Big Data) واستخلاص رؤى تدعم صنع القرار. كما أن تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أصبحت متاحة عبر الحلول السحابية (Laudon & Laudon, 2022, p. 245).
في غزة، بدأت بعض المؤسسات استكشاف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطلب وتحليل سلوك المستفيدين وتحسين تخصيص الموارد، ومنها استخدام أدوات تحليل البيانات للتنبؤ بالحالات الطارئة وتحسين توزيع الموارد الطبية المحدودة (Almasri et al., 2023, p. 189).
توفر الحلول السحابية مزايا تشمل تقليل التكاليف الرأسمالية والمرونة وسهولة الوصول والتحديثات التلقائية والأمان المحسن (O'Brien & Marakas, 2021, p. 198).
أظهرت الدراسات أن المؤسسات التي اعتمدت الحلول السحابية كانت أكثر قدرة على الاستمرار خلال الأزمات، بفضل إمكانية العمل عن بعد والوصول للبيانات من مواقع مختلفة (الشاعر وأبو عمرة، 2024، ص201).
ومن التحديات: الأمان والسيادة على البيانات والاعتماد على الإنترنت، لذا تحتاج المؤسسات إلى استراتيجيات هجينة تجمع بين السحابة والمحلي مع نسخ احتياطية محلية للبيانات الحيوية (قدح وآخرون، 2022، ص 245).
خلال الأزمات تصبح السرعة والدقة عاملين حاسمين. توفر نظم المعلومات البيانات والتحليلات لاتخاذ قرارات مستنيرة في الوقت الحقيقي، عبر لوحات المعلومات التفاعلية (Dashboards) لمتابعة الموارد والعمليات وتحديد الأولويات (Duchek et al., 2023, p. 156).
وفي دراسة حالة حول مؤسسة إغاثية في غزة، تبين أن نظام المعلومات الإدارية مكنها من تتبع احتياجات آلاف الأسر في الوقت الفعلي وتنسيق توزيع المساعدات بكفاءة وتجنب الازدواجية (أبو شمالة وآخرون، 2024، ص 112).
تلعب نظم المعلومات دوراً في تطوير وتنفيذ خطط استمرارية الأعمال عبر النسخ الاحتياطية والأنظمة البديلة وتمكين العمل عن بعد (Westerman et al., 2021, p. 178).
وأشار باحثون إلى أن المؤسسات المستثمرة في خطط الاستمرارية كانت أسرع في استئناف عملياتها؛ فمثلاً انتقلت بعض المؤسسات التعليمية للتعليم عن بعد خلال أيام، بينما احتاجت أخرى لأسابيع أو أشهر (النجار وآخرون، 2023 ص 178).
توفر نظم المعلومات، خاصة المنصات المشتركة، آلية لتبادل المعلومات والتنسيق بين الجهات الحكومية وغير الحكومية والقطاع الخاص (Laudon & Laudon, 2022, p. 289).
وفي غزة ساهمت منصات المعلومات المشتركة في تحسين التنسيق بين المؤسسات الصحية وتوزيع الحالات الطارئة بشكل متوازن وتنسيق الإغاثة والدعم مع الجهات الدولية (Almasri et al., 2023, p. 193).
تسهم نظم المعلومات في بناء ذاكرة مؤسسية عبر نظم إدارة المعرفة التي تجمع وتنظم المعرفة وتبادلها وتعزيز التعلم (O'Brien & Marakas, 2021, p. 234).
كما ساهمت النظم الإلكترونية في تسهيل تبادل الخبرات بين المؤسسات في غزة، وتوثيق الدروس المستفادة لضمان عدم فقدان المعرفة نتيجة التنقلات أو التغييرات المؤسسية (قدح وآخرون، 2022 ص 267).
يمتلك قطاع غزة ثروة بشرية متميزة في مجال تكنولوجيا المعلومات، مع تخرج أعداد كبيرة سنوياً ومستوى عالٍ من الإبداع والابتكار (Alajrami et al., 2022, p. 131). ويمكن البناء على ذلك لتطوير نظم محلية ملائمة للسياق، ودعم ريادة الأعمال التقنية لإنتاج حلول أقل تكلفة وأكثر ملاءمة (الشرفا ونصر، 2023، ص 92).
توفر التقنيات مفتوحة المصدر فرصة لتجاوز القيود المالية والتقنية، وإمكانية التخصيص ودعم مجتمعات التطوير (Duchek et al., 2023, p. 189). كما أنها لا تخضع غالباً لقيود البرمجيات التجارية، ما يساعد على استمرارية الوصول والتحديثات (الشاعر وأبو عمرة، 2024، ص208).
تمثل الشراكات فرصة للحصول على دعم فني ومالي للتحول الرقمي باعتباره وسيلة لتعزيز الصمود (Westerman et al., 2021, p. 201). كما تسهم الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث في التدريب وتبادل الخبرات، ومع شركات التكنولوجيا في الوصول لحلول متقدمة (أبو شمالة وآخرون، 2024، ص 125).
في ضوء ما تناوله هذا البحث من تحليل نظري وتطبيقي لدور نظم المعلومات الإدارية في دعم التحول الرقمي وبناء الصمود المؤسسي في قطاع غزة، يتضح أن هذه النظم لم تعد خيارًا تقنيًا ثانويًا، بل تمثل ركيزة استراتيجية لضمان استمرارية العمل المؤسسي، ولا سيما في البيئات المتأزمة التي تتسم بعدم الاستقرار وتكرار الصدمات. وقد أظهرت نتائج التحليل أن تبنّي نظم معلومات إدارية فعّالة يسهم بصورة مباشرة في تعزيز قدرة المؤسسات على إدارة الموارد بكفاءة، وتحسين جودة المعلومات، ودعم عمليات صنع القرار في ظل الأزمات ومراحل التعافي.
كما بيّن البحث أن التحول الرقمي القائم على نظم معلومات إدارية متكاملة ومرنة يُعد عاملًا حاسمًا في تعزيز الصمود المؤسسي، من خلال تمكين المؤسسات من التكيف السريع مع الاضطرابات التشغيلية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتقليل الاعتماد على البنى التقليدية المعرّضة للتعطل. وفي السياق الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، تبرز أهمية هذه النظم في مواجهة التحديات الناتجة عن تضرر البنية التحتية، وشح الموارد، والقيود المفروضة على الحركة والاتصال.
وفي المقابل، كشف البحث عن وجود فجوات تنظيمية وتقنية وبشرية تحد من فاعلية تطبيق نظم المعلومات الإدارية، الأمر الذي يستدعي تبني سياسات مؤسسية واضحة، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وبناء القدرات البشرية، وتعزيز ثقافة التحول الرقمي على المستويين الإداري والتشغيلي. وانطلاقًا من ذلك، يوصي البحث بضرورة تطوير استراتيجيات وطنية ومؤسسية داعمة للتحول الرقمي، وتكامل نظم المعلومات الإدارية مع خطط إدارة الأزمات واستمرارية الأعمال، بما يسهم في بناء صمود مؤسسي مستدام وقادر على مواجهة الأزمات المستقبلية.
وبذلك، يخلص البحث إلى أن نظم المعلومات الإدارية تشكل أداة محورية وفاعلة لتعزيز التحول الرقمي وبناء الصمود المؤسسي في قطاع غزة، وأن تفعيلها بصورة استراتيجية ومنهجية من شأنه دعم الاستقرار المؤسسي وتحقيق الاستدامة التشغيلية في واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا وتحديًا.